اتصالات المغرب: عالم جديد يناديكم!

الصورة التي تظهر في الصفحة الأولى من نتائج البحث في غوغل عن" Maroc telecom"
هل يجوز، قانونيا، للشركات المزودة أن تقطع خدمتها (المؤداة بعرق جبين المشتركين) دون الاعتذار لزبنائها وتقديم تعويضات عن الخسائر المادية والمعنوية الناجمة عن ذلك؟
أطرح هذا السؤال وفي ذهني ذكريات سيئة جدا عن "خدمات" اتصالات المغرب خلال سنتي 2005 و2006 بشكل خاص، حيث كان الانقطاع يمتد أو يقصر دونما رقيب أو حسيب، كما أنه "جرت العادة" خلال تلك الأيام أن يتم القطع على مستوى كل خطوط المدينة بعد الواحدة أو الثانية ليلا حيث يبقى الصبيب، كل الصبيب، متدفقا إلى بحر واحد لا قرار له.
نحن أمام مشكلة جسيمة وفضيحة غير مستورة ما دمنا قد قررنا الانفتاح "على العالم" (انظر الصورة أعلاه). وبما أنني شخصيا لا أسيّر شركة تأمين ولا مقهى سيبيرنيتي...الخ، أكتفي بطرح مشكلتي كمدرس كلّف فئة من طلبته بإنجاز عرض حول ظاهرة أدبية مدرجة بالمقرر الدراسي، وقد أحالهم على ثلاثة مواقع في الشبكة. لكنه تفاجأ في أول أيام الأسبوع (الاثنين فاتح دجنبر 2008)، موعد العرض، باعتذار المكلفين تحت طائل "تعذّر الاتصال بالإنترنت".
هذا المثال ليس سوى قطرة رذاذ في محيط "اتصالات المغرب"، حيث يمكن أن نقرأ نظائر كثيرة للشكاوى المباشرة أو غير المباشرة من هذه الشركة (يمكنك استشارة الشيخ غوغل ليريك العجب!).
أعرف أنني "أقدم شكواي للحائط" بتعبير المغاربة، ولكنني أنفّس عن كربتي بتدوين هذا الإحباط، وهذا أضعف الإيمان!!
لدي اليقين بأن الانقطاعات والشكاوى ستستمر ضد هذه الشركة "الحداثية"، ولن تتوقف إلا إذا أصبحت وسيلة أخرى لضخ مزيد من أموال الزبناء في "شكارتها" التي لا تتفتق ولا تعرف كيف تشبع!
قد يقول قائل، إن التكنولوجيا مجرد اختراع بشري وهي قابلة للعطب والتعطيل.
نعم هذا صحيح، وهذا ما حدث ويحدث فعلا، وفي مثل هذا الحال يجب إخطار الزبون بما حدث أو سيحدث (في حالة التهيئة والإصلاح) لا إيهامه بأن الخطأ وارد منه بدليل هذه الرسالة التي تواجهني كلما انقطع الربط "من عندهم":[/align]

إنها رسالة "تستحمر" الزبناء وتضحك على ذقونهم بإيهامهم أن الخطأ واقع في حاسوبهم أو رابط اتصالهم ذي الصبيب اللاتماثلي (أ.دي.إس.إل) ADSL أو أي جهاز آخر محيط بالوحدة الرئيسة للحاسوب، وأن الأمر لا يتعلق بانقطاع يشمل مئات الزبناء.
رسالة كهاته ستقود الكثيرين (مثلي) إلى حذف وإعادة تثبيت برنامج تشغيل الأ.دي.إس.إل مرات ومرات (وهذه نصيحة ذهبية تقدمها مكاتب اتصالات المغرب حينما يخطرها زبناؤها بانقطاع الربط!!)، وفي حالات أخرى يمكن أن يتطور الأمر إلى أعطاب وأعصاب تتفاوت بحسب مزاج الأشخاص.
أتصور أن الرسالة يجب أن تكون على الشاكلة التالية، بالحد الأدنى من الاحترام: ((
شركة اتصالات المغرب تعتذر لزبنائها الكرام على العطب الطارئ.. نعود بعد قليل!))
لكن صيغة كهاته ستعني إقرارا صريحا بضرورة تعويض الزبناء أو الإصلاح الفوري للعطب الذي لا يجب أن يستمر لأكثر من ساعة مادام مفترضا أنه خاضع رعاية عالية ومرتبطا بخطوط حساسة وحيوية جدا بالنسبة لعموم المواطنين، ولا يجب أن ننسى أن لقمة عيش الكثيرين مرتبطة بعودة الاتصال!!!
إنهم يفعلون كل ما يفعلونه في "علن مستور ومؤدى عنه"، وأنت "احكِ لمخك و"أدّها" في سوق رأسك".
كذلك قال لي ذلك الصوت الذي أحفظه وأكرهه حدّ تفهّم وضع كل من اختار "المغادرة الطوعية" أو القسرية لهذا الوطن الذي أصبح معروفا بأنه الأنسب لإثراء الشركات التي تفلس في باقي مناطق الأرض، وخاصة "فرنسا الحبيبة"!
بعد مرور الأحد، ذهبت صباح الاثنين 1 دجنبر للاستفسار والأداء بمكتب الشركة، وقيل لي هناك بكل "استحمار": "البريد هو المسؤول عن غياب الإنترنت(كذا !)، وتلقيت اعتذارا فقط عن عدم إمكانية أداء فاتورة الشهر نظرا لانعدام الاتصال بالإنترنت في وكالة اتصالات المغرب!!!). وأحتفظ لنفسي ببقية الحوار الذي كان لابد أن يكون "حضاريا جدا".
هذه الواقعة على كثافتها جعلتني أوقن (وقد كان بي نصيب من الشك) أن واقعنا أكثر سريالية من الفن الساقط!!!
أحسست هناك بالغثيان وبالرغبة في التقيؤ وأنا أمسح ببصري الإعلانات الإشهارية التي تقدم خدمات "اتصالات المغرب". حيثما وجهت بصرك تقرأ العبارة المملولة: "اتصالات المغرب.. عالم جديد يناديكم!” عالم "مزوق من برّا" يثير لديك الشك بوجودك في المغرب، وتحديدا بشماله: وجوه ذات سحنات وملابس فرنسية "حداثية" زاهرة كأنما هي نازلة علينا من "العالم الجديد"!!!
تذكرت مقالا قرأته قبل مدة بجريدة مغربية يؤكد فيه كاتبه أن شركات الاتصال المحتكرة للخدمات الشبكية والهاتفية قد تكبدت نظائرها خسائر كبرى بفرنسا فيما حققت أرباحا طائلة بالمغرب، وعزا ذلك إلى غياب الشفافية واحتكار الخدمات واحتقار الزبناء، أي غياب المحاسبة والمعاقبة (وهذا مربط الفرس في كل ما يجري من خرق سافر للقوانين في "فاضحة" النهار.
أخطر من هذا كله أن كثيرا من المواطنين يشتكون من أن هواتفهم النقالة تصلها رسائل تشبه تماما تلك التي يتلقونها على الإنترنت والتي تبشرهم بأرباح طائلة. أنا مثلا تلقيت البارحة مساء هذه الرسالة باللغة الفرنسية طبعا: "هنيئا، لقد ربحت سيارة من نوع ميرسيديس، ما عليك سوى الاتصال بنا على الرقم(...)". السؤال هنا هو: من زوّد هؤلاء المجرمين بأرقام زبناء شركة اتصالات المغرب؟ ألا تعرف الشركة هوية هؤلاء الذين يزعجوننا ليلا ونهارا بوقاحتهم "الأكثر حداثة في أجمل بلد في العالم"؟
باختصار، عاد الاتصال يوم الأربعاء 3 دجنبر صباحا (بعد أن بدأ الانقطاع ليلة السبت-الأحد)... إنها ثلاثة أيام بالكمال والزيادة، تسبّبت في مشاكل لا حصر لها للموطنين الذين ربطوا أعمالهم العنكبوتية مع الماروك تيليكوم... ورغم ذلك فهم لم يتلقوا، لحد كتابة هذه الأسطر، أي اعتذار أو تفسير أو إشارة تؤكد حدوث الانقطاع أصلا.
لقد " رضوا بالهم الذي لم يرض بهم!"، ولبوا نداء "العالم الجديد" صاغرين!!
مع تحياتي المشبعة بالمرارة
من الحسيمة - شمال المغرب.
_________________
" في مكان آخر، بعيدا جدا عن هنا! بعد فوات الأوان! ربما أبدا! ". (بودلير)